محامي إهمال طبي: كل ما يجب معرفته

في السنوات الأخيرة تصل إلى المحاكم حالات إهمال طبي أكثر فأكثر. هذه الظاهرة لا تتّسع لأنّ الأطباء والمؤسسات الطبية صاروا أقل كفاءة أو أكثر إهمالاً. الإهمال الطبي كان دائماً موجوداً، لكنّ ثورة المعلومات (يستطيع كل إنسان أن يدخل إلى غوغل ويحصل على صورة أوسع بكثير من الماضي) رفعت وعي الجمهور، وكثير من حالات الإهمال الطبي التي كانت تمرّ في الماضي تحت الرادار تُكتشف وتجد طريقها إلى الساحة القانونية.

ما هو الإهمال الطبي أصلاً؟

الإهمال الطبي هو خطأ أو فعل يخرج عن المعيار المعقول (وأحياناً أيضاً امتناع عن فعل) ارتكبه طبيب أو جهة طبية أخرى، وتسبّب نتيجة له بضرر للمريض.

تحت هذه المظلّة العامة تدخل أنواع كثيرة جداً من السيناريوهات، فالإهمال الطبي قد يظهر، بين أمور أخرى، في: تشخيص خاطئ، وعلاج خاطئ كإعطاء دواء غير صحيح أو خطأ أثناء عملية جراحية، ومنع علاج أو تأخيره، وإهمال من المؤسسة الطبية نفسها.

في السياق القانوني “الإهمال الطبي” هو في الواقع حالة من قانون الأضرار، والمحامي الذي يعمل في الإهمال الطبي يكون غالباً خبيراً في الأضرار راكم خبرة كبيرة في ملفات الإهمال الطبي، ولذلك يُسمّى “محامي إهمال طبي” (رغم عدم وجود تعريف رسمي كهذا). وكما في أنواع دعاوى الأضرار الأخرى، ينقسم التحدّي القانوني في الإهمال الطبي إلى جزأين مركزيين: إثبات أنه وقع إهمال تسبّب بضرر، وبالطبع تقدير الضرر بالمصطلحات المالية للتعويض.

متى يُفضَّل التوجّه إلى محامي إهمال طبي؟

وعي الجمهور بالإهمال الطبي اليوم أكبر من الماضي، لكن ليس دائماً من السهل معرفة متى يتعلّق الأمر “بإهمال” ومتى بخطأ معقول أو مجرّد عدم رضا عن الإجراء. على أي حال، التوصية ألا تتخبّطوا بهذا السؤال وحدكم، لأنه من دون تأهيل قانوني وخبرة يصعب جداً إجراء تقييم.

إن كنتم تشتبهون بأنّ طبيباً أو معالجاً أو مؤسسة طبية أخفقوا في علاجكم أو في علاج فرد من العائلة وأنّ الإهمال، ظاهرياً، سبّب ضرراً، فتحدّثوا مع محامي إهمال طبي وأعرضوا أمامه الصورة (ومن المفضّل منذ هذه المرحلة جمع أكبر قدر من التوثيق الطبي ذي الصلة وعرضه على المحامي). من الأفضل دائماً الطَّرق والحديد ساخن، ولذلك يُنصح بعدم التأخّر.

وبعد قول هذا، يستغرق الأمر أحياناً وقتاً لفهم أنّ إهمالاً طبياً وقع والاعتراف به (والمفارقة أنّ هذا يحدث أحياناً أكثر في الحالات الخطيرة التي تنتهي بالوفاة، لأنّ التركيز الأول يكون على استيعاب الوضع ومواجهة الحداد، وأقل على البحث عن المسؤولين)، ولذلك قرّر المشرّع أنه يمكن تقديم دعوى عن التقصير الطبي حتى مرور 7 سنوات من يوم الحدث (أو في حالة القاصر: 7 سنوات من يوم بلوغه سنّ الرشد).

ما دور محامي الإهمال الطبي؟

أفضل طريقة لفهم هل وقع إهمال طبي هي التشاور مع محامٍ متخصّص بالإهمال الطبي. محامٍ متمرّس مرّت بين يديه عشرات الملفات يعرف عادةً أن يميّز هل الضرر الذي لحق بالمريض نتيجة إهمال طبي (وبدقة أكثر، هل يمكن بدرجة احتمال عالية إثبات ادّعاء الإهمال الطبي في المحكمة). وحين يرى المحامي “ملفاً” متيناً للإهمال الطبي ويقرّر العميل المقاضاة، يكون المحامي هو من يقف في واجهة المعركة طوال الطريق.

دعاوى الإهمال الطبي تستغرق عادةً وقتاً طويلاً، ومتوسط إدارة ملف كهذا بين 3 و5 سنوات. المرحلة الأولى هي جمع المستندات وتنظيم كل التوثيق الذي يتيح الإشارة إلى وقوع الإهمال أو إثباته. في هذه المرحلة يفحص المحامي الأدلة والقصة التي تحكيها. بعد ذلك يتم التوجّه إلى أطباء خبراء ذوي صلة للحصول على رأي محدّد يعزّز الاشتباه بالإهمال ويثبت أنّ الضرر الذي لحق بالمريض وقع فعلاً. ظاهرياً المرحلة التالية هي تقديم الدعوى وإدارة المحاكمة، وفي الواقع تكون غالباً مرحلة وسطية إضافية يُجرى فيها محاولة للتسوية خارج قاعة المحكمة.

التفاوض مع شركات التأمين

في العصر الحديث يجب أن يكون كل طبيب أو شخص مهني طبي مؤمَّناً ببوليصة تغطّيه إن قوضي بسبب إهمال. وكذلك كل عيادة ومختبر ومستشفى مؤمَّنة غالباً. ومعنى ذلك أنّ شركة التأمين هي تقريباً دائماً طرف مهم وصاحب مصلحة في الإجراء. ولأنّ إدارة دعوى حتى حكم نهائي في المحكمة قد تستغرق سنوات ولا يوجد أبداً يقين مطلق بأنّ المحكمة ستحكم لصالح المدّعي، فإنّ الممارسة المقبولة هي محاولة التوصل إلى تسوية قبل تقديم الدعوى (وأحياناً يقترح القاضي على الأطراف التسوية أثناء المحاكمة). وهنا دائماً معضلة: من جهة، بالتسوية يمكن تقصير الإجراء كثيراً وتوفير نفقات المحكمة والحصول على مبلغ مضمون. ومن جهة أخرى، جزء من الموافقة على التسوية يرتبط بالتنازل عن جزء من نطاق الدعوى وعن تحميل المسؤولية القانونية الكاملة. وما زالت حالات كثيرة جداً تنتهي بتسوية. ولأنّ التسوية تتطلّب موافقة الطرفين، لا يوجد أحياناً مفرّ من إدارة الملف في المحكمة، ولذلك يكون محامي الإهمال الطبي الممتاز غالباً صاحب مهارات تقاضٍ لافتة.

ماذا تفعلون أولاً: خمس خطوات في الأسابيع الأولى

  1. اهتمّوا بالصحة أولاً. إذا كانت الحالة الطبية ما زالت نشطة، فمتابعة العلاج تأتي قبل أي اعتبار قانوني، حتى لو كان معنى ذلك الانتقال إلى مؤسسة أخرى أو طبيب آخر.
  2. اطلبوا الملف الطبي كاملاً. بحسب البند 18 من قانون حقوق المريض يحق للمريض أن يتلقّى من المعالج أو من المؤسسة الطبية معلومات من سجلّه الطبي، بما فيها نسخ. يُستحسن الطلب كتابةً والاحتفاظ بإثبات على الطلب.
  3. اكتبوا تسلسلاً زمنياً شخصياً والذاكرة طازجة. متى ظهرت الأعراض، ولمن توجّهتم، وماذا قيل لكم، وماذا شُرح لكم ومن قال، ومن كان حاضراً. الساعات والتواريخ أهمّ من التقديرات العامة.
  4. احتفظوا بكل شيء. رسائل، ورسائل الخروج، وإيصالات، وصور للإصابة، وتسجيل يومي للآلام والقيود. ما يبدو تفصيلاً صغيراً اليوم قد يكون دليلاً بعد سنين.
  5. لا توقّعوا على تنازل قبل أن تفحصوا. مستند يُطلب منكم التوقيع عليه بعد حدث طبي، وبخاصة مستند يتعلّق بالتنازل عن ادّعاءات، يُستحسن عرضه على محامٍ قبل التوقيع.

مصطلحات تتكرّر في كل ملف إهمال طبي

لقراءة ملف طبي وفهم حديث مع محامٍ ومع طبيب، يجب التحدّث بلغتين في وقت واحد. هذه هي المصطلحات التي ستظهر في هذه الصفحة.

مصطلحات طبية يجدر معرفتها

  • أخذ القصة المرضية (Anamnesis): استجواب المريض حول شكاواه وماضيه الطبي والأدوية التي يتناولها. أخذ قصة ناقص أو سطحي مصدر شائع للإغفال.
  • التشخيص التفريقي (Differential Diagnosis): قائمة بالتفسيرات الممكنة للشكوى، بما فيها الخطيرة، يُفترض أن يفحصها الطبيب ويستبعدها قبل أن يكتفي بتفسير واحد.
  • مضاعفة معروفة (Known Complication): نتيجة غير مرغوبة معروف أنها ممكنة في علاج معيّن حتى حين يُنفَّذ بشكل صحيح. لا تدل بالضرورة على إهمال، لكنها تثير سؤال هل حُذّر المريض منها.
  • ملف العملية وملف التخدير: المستندان اللذان يُوثَّق فيهما في الوقت الحقيقي مجرى العملية والتخدير. هما من أوائل المستندات التي تُفحص.
  • السجل الطبي (Medical Record): كل التوثيق عن العلاج، بما فيه تسجيلات الطوارئ والقسم ومراكز التصوير وصندوق المرضى.

مصطلحات قانونية يجدر معرفتها

  • معيار العلاج (Standard of Care) والطبيب المعقول: مقياس التقصير. بحسب البند 35 من قانون الأضرار المدنية، السؤال هو ماذا كان سيفعل أو يتّخذ شخص معقول ومؤهّل للعمل في المهنة نفسها في الظروف نفسها.
  • العلاقة السببية (Causation): العلاقة بين الإخفاق والضرر. بدونها لا توجد دعوى، حتى حين وُجد إخفاق.
  • الضرر الإثباتي (Evidentiary Damage): حالة يصعّب فيها نقص التوثيق أو الشهادة على المريض إثبات ما حدث، فتنقل المحكمة إلى المدّعى عليه جزءاً من العبء.
  • “الشيء يتحدّث عن نفسه” (Res Ipsa Loquitur)، البند 41 من قانون الأضرار المدنية: قاعدة تنقل إلى المدّعى عليه عبء الإثبات حين لا يعرف المصاب ما حدث بالضبط، ويبدو للمحكمة أنّ الحدث ينسجم مع قلّة الحذر أكثر مما ينسجم مع حذر معقول.
  • فقدان فرص الشفاء (Loss of Chance): مساس بفرصة المريض في الشفاء أو منع التفاقم بسبب علاج مهمل أو تأخّر.
  • الموافقة المستنيرة (Informed Consent): الحق في تلقّي معلومات عن التشخيص والعلاج المقترح ومخاطره وبدائله، والقرار على أساسها.

التشريع

قانون حقوق المريض لسنة 1996: يقرّر، بين أمور أخرى، واجب الموافقة المستنيرة (البند 13)، وواجب التوثيق في السجل الطبي (البند 17)، وحق المريض في تلقّي معلومات من السجل ونسخة منه (البند 18). قانون الأضرار المدنية [صيغة جديدة]: البندان 35 و36 (التقصير وواجب الحرص)، والبند 41 (الشيء يتحدّث عن نفسه)، والبند 89 (بداية التقادم).

ما الذي يُعتبر إهمالاً طبياً

بلغة القانون، الإهمال الطبي هو تقصير جهة طبية تجاه مريض تسبّب له بضرر. عملياً تُفحص ثلاثة مكوّنات، وإن غاب أحدها تستند الدعوى إلى أساس واهٍ.

  • واجب الحرص: الطبيب والممرض والمستشفى وصندوق المرضى يتحمّلون واجب حرص تجاه المريض. يقرّر البند 36 من قانون الأضرار المدنية أنّ الواجب يسري تجاه من كان على شخص معقول أن يتوقّع أنه قد يتضرّر من فعل أو امتناع. في العلاقة بين المعالج والمريض هذا عادةً غير مختلف عليه.
  • خرق معيار العلاج الطبي المعقول: هنا قلب الموضوع. يُعرّف البند 35 التقصير، بين أمور أخرى، بعدم استخدام المهارة أو عدم اتخاذ درجة الحذر التي كان سيستخدمها أو يتّخذها شخص معقول ومؤهّل في المهنة نفسها في الظروف نفسها. بكلمات بسيطة، لا نقيس بالحكمة المتأخّرة ولا بالنتيجة، بل بما كان سيفعله طبيب معقول في المجال نفسه بالمعلومات التي كانت أمامه في تلك اللحظة. وحين توجد أكثر من طريقة علاج مقبولة، فإنّ اختيار إحداها ليس إهمالاً بحدّ ذاته.
  • العلاقة السببية والضرر: حتى حين وُجد إخفاق، يجب إظهار أنه هو الذي تسبّب بالضرر، أي أنه لو كان العلاج سليماً لكانت الحالة مختلفة. هنا تدخل أسئلة معقّدة، مثلاً حين كان المريض مصاباً أصلاً بمرض خطير والسؤال كم تغيّرت فرصته بسبب التأخّر أو الخطأ. تُفحص المكوّنات الثلاثة عادةً بمساعدة رأي خبير طبي في المجال ذي الصلة.

أنواع دعاوى الإهمال الطبي الشائعة

لا توجد قائمة مغلقة، لكن معظم الملفات تقع في عدّة مجموعات، ولكل واحدة أسئلتها ومستنداتها.

  • التشخيص المتأخّر أو الخاطئ: من المجموعات الأكثر شيوعاً. مريض يشكو من أعراض، فيُرسَل إلى بيته مع طمأنة، وبعد أشهر فقط يتّضح أنه كان هناك ورم أو حدث قلبي أو التهاب كان يمكن اكتشافه مبكراً. السؤال المركزي هل فكّر الطبيب أيضاً بالاحتمالات الخطيرة، وأحال إلى الفحوصات في الوقت، وتابع النتائج الشاذّة.
  • الإهمال في عملية جراحية: قد يكون الإخفاق في قرار إجراء العملية، أو في التنفيذ نفسه، أو في العلاج الذي قبلها وبعدها، أو في غياب متابعة المضاعفات. يُفحص بين أمور أخرى الحاجة إلى العملية، والشرح الذي أُعطي للمريض، والمساس بعضو أو عصب مجاور، والتوثيق في ملف العملية.
  • الإهمال في الولادة والحمل: تتناول متابعة الحمل، ومراقبة الجنين أثناء الولادة، والقرار بشأن الولادة بالأدوات أو القيصرية، والعناية بالأم والمولود. قد يكون الضرر خطيراً بشكل خاص وأحياناً يرافق الطفل مدى حياته.
  • الإهمال في التخدير والمراقبة: الفحص قبل التخدير، والصيام قبل العملية، واختيار نوع التخدير، وتنفيذ الحقنة أو التركيب، والمراقبة أثناء العملية وفي غرفة الإفاقة، والتوثيق في ملف التخدير.
  • التهابات ومضاعفات بعد الإقامة في المستشفى: التهاب تطوّر بعد عملية أو إقامة، أو تسمّم دم (Sepsis) لم يُكتشف في الوقت. الأسئلة المركزية: هل حُفظت قواعد النظافة، وهل اكتُشفت علامات التحذير، وهل أُعطي العلاج بالمضادات الحيوية في الموعد.
  • العلاج الدوائي: جرعة خاطئة، أو دواء أُعطي رغم حساسية معروفة، أو غياب متابعة الأعراض الجانبية. في حالات كهذه السجل الطبي، بما كُتب فيه ومتى ومن، هو أساس الفحص.
  • غياب الموافقة المستنيرة: أحياناً نُفّذ العلاج نفسه بشكل صحيح، لكنّ المريض لم يتلقَّ المعلومات التي كان يحتاجها ليقرّر. هذا سبب دعوى مستقل وأحياناً مكمّل.

حالات حقيقية لمرضى، وما يمكن تعلّمه منها

الأمثلة التالية أحكام علنية للمحكمة العليا، وليست مرتبطة بالمكتب. كل حالة تُفحص بحسب خصوصيتها، ولا تدل النتائج أو المبالغ التالية على أي ملف آخر.

حين ضاعت فرصة الشفاء. امرأة شابة أُجريت لها عمليتان لإزالة ورم سرطاني في الغدة الدرقية. بعدهما أُصيبت كل الغدد الجار درقية الأربع لديها وبقيت بنقص كلس الدم (Hypocalcemia). قرّرت المحكمة أنه لم يثبت تقصير في العملية الأولى، لكن في الثانية عرف الجرّاح أنّ التروية الدموية لإحدى الغدد تضرّرت ومع ذلك امتنع عن إعادة زرعها. قدّرت المحكمة المركزية أنّ الزرع كان سينقذ 50 بالمئة فقط من فرصة الشفاء وحكمت بتعويض وفقاً لذلك. وفي الاستئناف تقرّر أنّ الأدلة تشير إلى احتمال أعلى لنجاح الزرع، وأنه حين يتسبّب التقصير بفقدان فرص شفاء بنسبة تزيد على 50 بالمئة، لا يكون التعويض جزئياً بل كاملاً. حُدّد التعويض بـ 1,285,000 شيكل، وبعد خصم مخصّصات التأمين الوطني بمبلغ 180,000 شيكل بقي 1,105,000 شيكل، مع نفقات المحكمة.

حين كان التوثيق ناقصاً. امرأة، مقيمة في فرنسا، أُجريت لها في إسرائيل عملية استبدال مفصل الورك، وخرجت منها بتدلّي القدم (Drop Foot) بسبب إصابة العصب الوركي. أثناء فحص ثبات المفصل الجديد حدث خلع له، لكن لم يوجد في التوثيق الطبي أثر لذلك، ولم يُستدعَ الطبيب الثاني الذي ساعد في العملية للشهادة. رفضت المحكمة المركزية الدعوى لأنها لم تقتنع بإثبات التقصير. وقلبت المحكمة العليا النتيجة: غياب تسجيل طبي، مع بقية الظروف، رجّح الكفة نحو استنتاج أنه لم يُتّخذ حرص معقول، وانتقل عبء الإقناع إلى الأطباء الذين لم يفوا به. أُلزموا بالمسؤولية وأُعيد الملف إلى المحكمة المركزية لتحديد حجم الضرر.

وفتى في الثالثة عشرة احترق بشدّة عام 1981 وهو يحاول إنقاذ أخيه الصغير وصديقه من حريق في مطبخ. بعد نحو شهر، في قسم الحروق بمستشفى تابع لصندوق مرضى، أُخذ إلى عملية لم تكن مخطّطة مسبقاً، وهو في حالة التهاب عام، بعد أن أكل وجبة فطور وبعد أسبوعين دون علاج بالمضادات الحيوية. في غرفة الإفاقة بقي خمس ساعات دون أن يفحصه طبيب، وفي الرابعة فجراً أُصيب بتوقّف قلب وبقي بضرر دماغي خطير. قرّرت المحكمة المركزية أنّ تراكم التقصيرات كان إهمالاً وحكمت بتعويض. وفي الاستئنافات، التي دارت أساساً على حجم التعويض وطريقة دفعه، غيّرت المحكمة العليا بعض التفاصيل، منها تقرير دفع جزء من التعويض المستقبلي كدفعة شهرية، وشدّدت على أنّ الإهمال الطبي يتبلور بمجرّد عدم إدارة السجلات الطبية بشكل سليم.

حين لم يُطلب موافقتكم فعلاً. امرأة في العشرينات من عمرها، معاقة منذ ولادتها بتشوّه في القدم، أُدخلت إلى المستشفى لعملية في القدم. بعد يومين، وهي مستلقية على طاولة العمليات وبعد أن تلقّت أدوية مخدّرة، وُقّعت على نموذج موافقة على خزعة في الكتف، لأنّ الأطباء قرّروا أنّ الموجود في الكتف أكثر إلحاحاً. بقي كتفها متجمّداً وحُدّد لها عجز 35 بالمئة. قرّرت المحكمة العليا أنّ الأطباء قصّروا إذ لم يشرحوا لها مسبقاً الحاجة إلى الخزعة والخطر، وأنّ التوقيع على نموذج لا يضمن موافقة مستنيرة. ومع ذلك قرّرت الأغلبية أنها كانت ستوافق على العملية حتى لو شُرح لها بشكل صحيح، ولذلك لم يُحكم لها بتعويض عن العجز نفسه. حصلت على تعويض عن المساس بالاستقلالية، التي اعتُرف بها كبند ضرر مستقل. الدرس أنّ واجب الشرح واجب مستقل، وحتى حين يصعب إثبات أنّ العجز نتج عنه، يُعترف بالمساس بالحق في القرار بحدّ ذاته.

مراحل التعامل مع ملف إهمال طبي

هكذا يُدار عموماً ملف دعوى إهمال طبي. ترتيب المراحل ومدّتها يختلفان من حالة لأخرى.

  1. المرحلة 1، محادثة وفحص أوّلي. محادثة تُروى فيها ما حدث ومتى، ويُفحص هل يوجد أساس لفحص معمّق وأي مواعيد، وفي مقدّمتها التقادم، يجب حفظها.
  2. المرحلة 2، الحصول على التوثيق الطبي. طلب الملف من المؤسسة الطبية ومن صندوق المرضى، وفحص أنه كامل.
  3. المرحلة 3، قراءة التوثيق وتسلسل زمني. ترتيب الأحداث بحسب الزمن، وتحديد النقاط التي يبدو فيها أنّ العلاج خرج عن المعتاد، وتحديد ما ينقص. في ملف طبي كبير هذا عمل ساعات كثيرة.
  4. المرحلة 4، رأي خبير طبي. يُرسَل الملف إلى خبير طبي في المجال ذي الصلة، يبدي رأيه هل خرج العلاج عن المعيار، وهل تسبّب الإخفاق بضرر، وما حالة المصاب. أحياناً تلزم عدّة مجالات. إن نفى الرأي وجود سبب دعوى، يمكن التوقّف في هذه المرحلة.
  5. المرحلة 5، لائحة الدعوى. تحدّد لائحة الدعوى الوقائع والإخفاقات المدّعاة والضرر. في دعوى الإهمال الطبي يُمنح المدّعى عليه مهلة 120 يوماً لتقديم لائحة الدفاع، مقابل 60 يوماً في دعاوى أخرى (البند 9(ب) من أنظمة أصول المحاكمات المدنية لسنة 2019).
  6. المرحلة 6، الأدلة والخبراء. يقدّم الأطراف آراء خبراء، وأحياناً تعيّن المحكمة خبيراً من طرفها. بعد ذلك تُسمع الشهادات: المصاب والطاقم الطبي والخبراء.
  7. المرحلة 7، تسوية أو حكم. في كل مرحلة يمكن التوصل إلى اتفاق. وإن لم يحدث، تحسم المحكمة المسؤولية والضرر، ويمكن الاستئناف على الحكم.

مستندات يُفضَّل الحصول عليها

كلما كانت الصورة المستندية أكمل، أمكن تقييم الملف أسرع وبدقة أكبر.

  • من المؤسسة الطبية: ملخّص الإقامة والخروج، وملف الاستقبال في الطوارئ، وملفات الأطباء والتمريض، وملف العملية، وملف التخدير وملف الإفاقة، ونماذج الموافقة على العملية والتخدير، ونتائج الفحوصات المخبرية، وفحوصات التصوير بما فيها القرص نفسه لا الوصف فقط، وتسجيل إعطاء الأدوية.
  • من صندوق المرضى ومن جهات أخرى: الملف الكامل عند طبيب العائلة وعند الأطباء الاختصاصيين، والتحويلات ونتائج الفحوصات، وسجلات الإسعاف إن نُقلتم بسيارة إسعاف، ومستندات من أطباء خاصين.
  • منكم: التسلسل الزمني المكتوب، والرسائل ورسائل البريد التي أرسلتموها إلى الأطباء والعيادة، والصور، وإيصالات النفقات، ومستندات التأمين الوطني والتأمينات الخاصة وقسائم الراتب التي تُظهر مساساً بالقدرة على العمل.
نصيحة عملية: اطلبوا المواد كتابةً، واحتفظوا بإثبات على الطلب، وتحقّقوا عند وصولها أنها كاملة، بكل الزيارات وكل نتائج الفحوصات. إن بدا شيء ناقصاً، أو لم يوجد تسجيل لحدث مهم، فلا تطلبوا من الطاقم استكماله بأثر رجعي. دوّنوا ما ينقص وسلّموا القائمة للفحص.

التقادم: كم من الوقت لديكم لتقديم الدعوى

هذا من الأسئلة الأولى، ومن أسباب عدم استحسان الانتظار. عادةً مدة التقادم في دعوى أضرار ليست في عقارات هي سبع سنوات (البند 5(1) من قانون التقادم لسنة 1958). يبدأ السريان عادةً في اليوم الذي نشأ فيه سبب الدعوى، وفي دعوى عن ضرر، في اليوم الذي وقع فيه الضرر (البند 89 من قانون الأضرار المدنية). توجد أحكام خاصة للحالات التي لم يكن فيها الضرر أو الوقائع معروفة في الوقت الحقيقي، وللقاصرين، ولذلك لا يمكن تحديد موعد أخير دون فحص التفاصيل.

بالنسبة للقاصر، لا يُحتسب في مدة التقادم الوقت الذي لم يبلغ فيه 18 سنة. ولذلك تتقادم دعوى طفل أُصيب في الولادة في وقت أبعد من دعوى بالغ. وهذا يخصّ دعوى الطفل نفسه، وليس بالضرورة دعاوى والديه، التي قد تخضع لمواعيد أخرى.

الخلاصة العملية: من يشتبه بإهمال لا يحتاج إلى انتظار نهاية المدة. مع الوقت تختفي المستندات، وتضعف الذاكرة، ويترك أطباء عملهم. الشرح هنا عام فقط، وتُفحص المواعيد في كل حالة بحسب تفاصيلها.

التعويضات: ماذا تفحص المحكمة

لا يوجد مبلغ ثابت، ويُحدَّد التعويض بحسب الضرر المحدّد للمصاب. تفحص المحكمة، بين أمور أخرى، النفقات الطبية في الماضي والمستقبل، والمساعدة والتمريض، وخسارة الدخل والمساس بالقدرة على الكسب، والألم والمعاناة، وفي حالات الوفاة أيضاً خسارة المعالين. تُخصَم من التعويض عادةً مخصّصات التأمين الوطني. ولأنّ كل حالة مختلفة، لا يمكن تقدير تعويض دون معرفة ما هو الضرر وما حالة المصاب الطبية والوظيفية وما الذي أُثبت.

أسئلة وأجوبة عن الإهمال الطبي

هل كل مضاعفة بعد عملية تُعتبر إهمالاً طبياً؟

لا. المضاعفة المعروفة التي تحدث حتى حين تُنفَّذ العملية بشكل صحيح ليست إهمالاً بحدّ ذاتها. الأسئلة هي: هل نُفّذت العملية بحسب المعيار، وهل شُرح لكم الخطر مسبقاً، وهل اكتُشفت المضاعفة وعولجت في الوقت حين ظهرت. لذلك قبل استخلاص استنتاج يجب قراءة السجل والاستماع إلى رأي خبير في المجال.

كيف نفحص هل تصرّف الطبيب بحسب المعيار المقبول؟

تُقارَن ما جرى فعلاً بما كان سيفعله طبيب معقول في المجال نفسه في الظروف نفسها، عادةً بواسطة رأي خبير طبي. تُجرى المقارنة بحسب المعلومات التي كانت أمام الطبيب في الوقت الحقيقي، لا بحسب ما اتّضح لاحقاً. وحين توجد عدّة طرق علاج مقبولة، فإنّ اختيار إحداها ليس بالضرورة تقصيراً.

هل يُنهي التوقيع على نموذج موافقة الموضوع؟

ليس بالضرورة. في الحكم المبدئي تقرّر أنّ التوقيع على نموذج ليس بحدّ ذاته شرطاً كافياً لموافقة مستنيرة. ما يحدّد هو هل أُعطيتم معلومات ملائمة عن الحالة والعلاج ومخاطره وبدائله، في الوقت وبالشكل الذي أتاح لكم القرار. وفي المقابل، حتى حين لم تُعطَ المعلومات، يجب إظهار أنّ قراركم كان سيتغيّر، أو على الأقل أنّ حقكم في القرار قد مُسّ.

ماذا نفعل حين يكون الملف الطبي ناقصاً أو غير مقروء أو لا يوجد فيه تسجيل للحدث؟

النقص في السجل ليس بالضرورة نهاية الطريق. قرّرت المحكمة العليا أنّ غياب تسجيل طبي مطلوب قد يرجّح، في ظروف مناسبة، الكفة ضد الطبيب أو المؤسسة، بل وينقل إليهم عبء الإقناع. لذلك من المهم طلب الملف كاملاً، وتدوين ما ينقص فيه ومتى طلبتموه.

هل يمكن المقاضاة باسم طفل أُصيب في الولادة، ومتى يبدأ سريان التقادم؟

نعم، يستطيع الطفل المصاب في الولادة المقاضاة، عادةً بواسطة والديه، وبالنسبة لدعواه لا يُحتسب في مدة التقادم الوقت الذي لم يبلغ فيه 18 سنة (البند 10 من قانون التقادم). ومع ذلك لا جدوى من الانتظار: التوثيق المحفوظ سنين طويلة قد يختفي، ودعاوى الوالدين أنفسهما قد تخضع لمواعيد أخرى.

ضد من تُقدَّم دعوى الإهمال الطبي: ضد الطبيب أم المستشفى أم صندوق المرضى؟

عادةً ضد الجهة التي قدّمت العلاج: صندوق مرضى، أو مستشفى عام أو خاص، أو الدولة حين يتعلّق الأمر بمؤسسة حكومية، وأحياناً أيضاً ضد أطباء محدّدين. تُفحص هوية المدّعى عليهم بعد الاطلاع على التوثيق، بحسب من قدّم العلاج ومن هو مسؤول عنه.

هل يمكن المقاضاة أيضاً عن وفاة فرد من العائلة بعد علاج طبي؟

نعم، حين تنجم الوفاة عن علاج مهمل قد تنشأ دعويان منفصلتان: دعوى التركة (البند 19 من قانون الأضرار المدنية) ودعوى المعالين على المتوفّى (البند 78)، وهم أقارب كانوا يعتمدون عليه مادياً. لكل دعوى قواعدها، ولذلك يُستحسن فحص الاثنتين. اقرأوا أيضاً المقال المفصّل حول دعوى التركة والمعالين بعد الوفاة في حادث.

كم يستغرق إجراء دعوى إهمال طبي؟

عادةً سنوات لا أشهر، ولا توجد طريقة مسؤولة لضمان جدول زمني. تعتمد مدة الإجراء على التعقيد الطبي وعدد الخبراء وحجم الأدلة وهل يصل الأطراف إلى اتفاق.

هل يمكن الحصول على تعويض إن كان المريض مصاباً بمرض خطير حتى دون الإهمال؟

ربما. حين مسّ الإهمال بفرصة المريض في الشفاء أو تحسين حالته، تُفحص قاعدة فقدان فرص الشفاء. بحسب حكم المحكمة العليا الذي ذكرناه، حين تسبّب التقصير بفقدان فرص شفاء بنسبة تزيد على 50 بالمئة لا يكون التعويض جزئياً بل كاملاً. وحين تكون الفرصة الضائعة أقل، يكون القانون أكثر تعقيداً، وأحياناً يُحدَّد التعويض بحسب نسبة الفرصة الضائعة.

هل يُفضَّل التشاور مع محامٍ قبل الحصول على الملف الطبي؟

يمكن، وليس واجباً. التشاور المبكر قد يساعد في معرفة أي مستندات يجب طلبها وأي أسئلة يجب طرحها، وفي تحديد مواعيد مهم ألا تفوتكم. أما طلب الملف الطبي نفسه فيحق للمريض تقديمه بنفسه بحسب البند 18 من قانون حقوق المريض.

عن المكتب: محامي إهمال طبي يعرف المنظومة من الداخل

تتطلّب دعوى الإهمال الطبي قراءة ملف طبي بعينين قانونيتين، ومعرفة القضاء، ومعرفة كيف تتصرّف المؤسسات الطبية ومؤمِّنوها أمام دعوى. المحامي والكاتب العدل بينو جليكمان متخصّص في الأضرار الجسدية، ومنها الإهمال الطبي وحوادث العمل وحوادث الطرق، بخبرة مهنية تزيد على 20 عاماً (منذ نيسان 2006). مثّل المحامي جليكمان طوال 17 عاماً شركات كبرى في الاقتصاد، وقرّر في النهاية أن يعبر الخطوط وأن يضع المعرفة التي راكمها في خدمة آلاف مصابي الإهمال الطبي في إسرائيل. يعمل المكتب كمظلّة متكاملة (One Stop Shop) للمصاب ولعائلته، ويسعى لتعظيم التعويض المستحق للمصابين.

هل أُصبتم أنتم أو أحد أفراد عائلتكم بعلاج طبي مهمل؟ لا تتنازلوا عن حقوقكم ولا تواجهوا المؤسسة الطبية ومؤمِّنيها وحدكم. يمكنكم التوجّه إلى المكتب بالهاتف 03-6135337 أو عبر صفحة تواصلوا معنا، وفحص التوثيق الذي بحوزتكم معاً.

مع خالص التحية،
طاقم مكتب المحامي بينو جليكمان، مرافقتكم حتى الحصول على التعويض
نحارب من أجلكم أمام شركات التأمين والتأمين الوطني

لتحديد موعد استشارة دون التزام: اتصلوا على 03-6135337 أو راسلونا عبر واتساب أو اتركوا بياناتكم وسنعاود الاتصال بكم في أقرب فرصة.